ّ
بصرف النظر عن تحفظات البعض، على شكل الحضور الذي سجله د. نبيل شعت في غزة؛ فإن اللقاءات التي تمت، يمكن النظر اليها كخطوة فتحاوية اضافية في اتجاه المصالحة، سنتبين نجاحها من عدمه، في ضوء تصرف حماس بخصوص التوقيع على الورقة المصرية. ونسجل لعضو اللجنة اللجنة المركزية لحركة فتح، مبادرته الى التقاط المُتغير الحمساوي الملحوظ، الذي نشأ عن المراحل الأخيرة من الشوط الذي قطعته حماس في تجربتها، وبضمن هذه المراحل، مجموعة من الاختبارات الواقعية ـ لا العاطفية ـ للعديد من المسائل والأوضاع، من بينها مقدرة الحلفاء على التأثير في مجرى الأحداث، واختبار جدوى أن نجعل من غزة منصة لرشق نيران صاروخية تؤدي الى تغيير المعادلة الإقليمية، ونخرج بها وبعدها بأقل الأضرار، وجدوى الاستمرار في المساجلات العقيمة، وفي منطق التخوين أو التأثيم. وللدقة فإن ما التقطه د. شعت، من خيبات أصابت المسعى الحمساوي، لا يقل بؤساً عما سبقت حماس الى التقاطه، من خيبات أصابت المسعى السلمي الفتحاوي. فلم يعد من المفيد ولا من المقنع لأحد، الآن، أن يتهاجى الطرفان، ولا أن يكابران، لأن المسألة في جوهرها، ليست مسألة فصيلين يواجهان مخاطر انكشاف واندثار، وإنما هي مسألة شعب صامد على أرضه، يواجه تحديات تفرض على القوى السياسية أن تتوافق ـ وإن شئنا أن تتنافس ـ لتعزيز عناصر صموده ومناعته ولتعميق وحدته، بعد أن أصبحت الحياة في بعض المناطق الفلسطينية لا تطاق وتحولت غزة تحديداً، الى منطقة ذات شروط معيشية طاردة لسكانها لو أن الأبواب فُتحت!
* * *
إن ما يحتاجه الفلسطينيون، في هذه البُرهة، هو أن تكون القوى السياسية في مستوى بناء استراتيجية عمل وطني واحدة وجامعة، تتحاشى أمرين خطيرين، لهما جيوب تساعد على الوقوع في حبائلهما: الرقاعة السياسية المترافقة مع المنطق الأمني المُبتلى بآفة الرضوخ لإملاءات بذيئة، والطيش المتلطي بالمقاومة لجر المزيد من تكسير عظامنا. إن من بين ما يحتاجه الفلسطينيون، يتلخص في وفاق وطني يرسم استراتيجيات الممانعة والعمل السياسي، ويُهيء المجتمع الفلسطيني لاحتمالات أشد صعوبة، كالاضطرار الى المقاومة وفق استراتيجية تتكامل مع المحيط العربي وتتخير وسائلها وتتواصل مع محبي الحرية وكارهي الامبريالية في كل مكان. وما يحتاجه الفلسطينيون، هو وحدة المؤسسة الأمنية الوطنية، التي لا تبطش إلا بالمخاطر وبالألاعيب، وتمنع عودة الفلتان، وتساند جهازاً قضائياً مقتدراً، يعطي لكل ذي حق حقه، لكي يبرأ المشهد الفلسطيني من سقامه وعذاباته وضغائنه!
وإن كان التوجه الى المصالحة قريباً مثلما قيل؛ فإن الخطوة التالية ينبغي أن تأخذنا الى التوافر على مستلزمات بناء خطط العمل الوطني الديموقراطي التعددي، ومغادرة مناخات الشك والكراهية والإقصاء. فلا رجاء من مصالحة بالترقيع وبالمجاملات، ولا طريق للمصالحة مع الغموض والمزاودة. ولا رجاء من مصالحة تتيح الفرصة لنزعات الحقد والثأر!
إن هذه هي محاولة فتحاوية في سياق ممتد، ولا مناص من مصالحة عاجلة، إن لم يكن لضرورات النضال الوطني، فليكن لمداراة واستدراك خيبات السلم والحرب، اللذين خضناهما، باستراتيجيات وتكتيكات خاطئة!