ّ
دون اختراق الـمجتمع الإسرائيلي وخلخلة تماسكه الداخلي، وفتح ثغرات بين صفوفه، وكسب انحيازات من بين مكوناته لصالح عدالة الـمطالب والتطلعات الفلسطينية الـمشروعة، دون ذلك كله لا يمكن فلسطينياً، هزيمة الـمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي.
دون هذا العمل البرنامجي الهجومي الخلاّق، الذي يؤديه الشعب الفلسطيني وقواه السياسية وشخصياته الفاعلة، لا يمكن تحقيق حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا باتجاه الحل الـمرحلي بإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية متجاورتين، وفق قرارات الأمم الـمتحدة: قرار التقسيم 181 وقرار الانسحاب 242 وقرار الدولتين 1397 وخارطة الطريق 1515، ولا باتجاه إقامة دولة واحدة ثنائية القومية متعددة الديانات للشعبين على كامل أرض فلسطين الواحدة، وفق الـمعطيات الواقعة والقائمة على الأرض، بوجود شعبين، فشل كل منهما في تصفية الآخر وإنهاء وجوده وإلغاء روايته وهويته والحد من تطلعاته.
اختراق الـمجتمع الإسرائيلي وقواه الحية وكسب انحيازات من بين صفوفه لصالح الحقوق الفلسطينية ليست عملية تكتيكية تقوم على تحسين العرض أو اختيار الـمفردات الـمنمقة أو عبر تقديم الهدايا والتنازلات، بل هي عملية شراكة كفاحية تراكمية صعبة ومعقدة طويلة الـمدى، تحتاج لوعي وقناعة وقدرة فلسطينية تهدف إلى توصيل الرسالة ومخاطبة الرأي العام الإسرائيلي، بالعبرية والإنكليزية كما بالعربية، بلغات متعددة ودون تزييف أو دهلزة، بنبرة تعمل على تحقيق أغراض سياسية لـمصلحة الشعب الفلسطيني وأهدافه وحقوقه، وليس لخدمة الـمصالح الإسرائيلية الـمتعارضة والـمتناقضة مع الـمصالح الفلسطينية.
ما فعله سلام فياض، يوم الثلاثاء الـماضي، أمام مؤتمر هرتسيليا كان عين الصواب وتعبيراً ملـموساً عن شجاعة في الـموقف وفي العرض واقتحام الـمواقع، حيث تعجز قوى سياسية فلسطينية عن القيام به، إما خوفاً لأنها لا تثق بنفسها، وإما لعدم قدرتها على امتلاك الـموقف لأنها لا تزال أسيرة مواقفها الـمتخلفة، أو لأنها هامشية في الـمجتمع الفلسطيني، لا تستحق الدعوة من قبل الإسرائيليين من على منبر هرتسيليا، كونها غير فاعلة في صناعة القرار السياسي الفلسطيني حتى ولو امتلكت القدرة على التهويش والصراخ والوصول إلى محطة 'الجزيرة' التي تقود حالة التطبيع الإعلامية الـمجانية مع الـمؤسسة الأمنية والسياسية والعسكرية والإعلامية الحاكمة في إسرائيل.
سلام فياض، قدم عرضاً يليق بشعبه وبمنظمة التحرير، وهو عضو مراقب في لجنتها التنفيذية، وبسلطتها الوطنية، كما يليق بنفسه كرئيس للوزراء، وباعتباره شخصية مستقلة منتخبة في الـمجلس التشريعي ويحظى باحترام الرئيس وثقته وموافقته، مثلـما يحظى بثقة شركائه من القوى السياسية التي تصنع معه وتشاركه الإنجاز الأمني والـمالي والإداري، فالقوى التي تشاركه عضوية الحكومة من 'فتح' والديمقراطية وحزب الشعب وجبهة النضال وحركة فدا والـمستقلين، حققوا لشعبهم عبر هذه الشراكة الوطنية الائتلافية ما حققوه، لأن حكومتهم، أداة منظمة التحرير وذراعها التنفيذية على الأرض وفي الـميدان ولخدمة شعبهم ومصالحه وأهدافه في مواجهة الاحتلال والانقلاب على السواء.
لقد سبق أن حذر الكاتب الإسرائيلي إليكس فيشمان في (يديعوت أحرونوت) نيابة عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من خطورة ما يفعله سلام فياض على الأرض في بناء الـمؤسسات، وها هو بن كسبيت في (معاريف) يؤكد أن سلام فياض على حد قوله 'لا يملك دولة ولكنه كان شجاعاً في هرتسيليا، ويعرف ما يريد بينما كان نتنياهو صاحب الدولة خائفاً ولا يعرف ما يريد' وقال: 'إن فياض قام بطرح رؤيته القائمة على قيام دولة فلسطينية فوق الأرض بما في ذلك شرقي القدس' وهي حصيلة تشير إلى مدى ما يتمتع به الرجل من دور وأداء، فهو يخدم شعبه ويؤثر على أعدائه، وكلاهما مفهوم، ثقة شعبه مطلوبة والتأثير على أعدائه مهم، ولكن من غير الـمفهوم والـمستهجن احتجاج البعض على مخاطبته للرأي العام الإسرائيلي من موقع مؤتمر هرتسيليا، فالـمنبر ليس منبراً رسمياً أو تفاوضياً أو لقاءً حكومياً، بل هو منبر إعلامي مفتوح ولكنه حيوي ومهم وتصل مسامعه ليس فقط إلى مختلف مكونات الـمجتمع الإسرائيلي بل يصل مداه إلى أوروبا وأميركا، فهل يجب أن تبقى الرؤية والرواية الإسرائيلية الرسمية هي السائدة والـمنتشرة والـمعممة؟؟
سلام فياض لـم يذهب إلى هرتسيليا على رأسه، بل هو يؤدي دوره اعتماداً على ثقة الرئيس به، بل واعتماداً على مشاركة القوى السياسية الـمؤتلفة في إطار الـمنظمة والحكومة، ولذلك ينجح فياض رغم عدم رضى البعض وتردد البعض الآخر، ولكن لن يبقى في الوادي سوى حجارته كما يقول الكاتب الجزائري الطاهر وطار، وسلام فياض هو أحد حجارة الوادي التي تصنع لشعبها ما تريد، وما يسعى له شعب فلسطين وما يحتاجه قيادات مبادرة قادرة بثقة على توسيع قاعدة الـمكاسب للشعب الفلسطيني بما في ذلك كسب أصدقاء من بين صفوف الإسرائيليين لصالح التطلعات الفلسطينية في الاستقلال والـمساواة والعودة، تماماً على نحو ما سبق أن فعل الفيتناميون، ومن قبلهم الجزائريون، من اختراقات في صفوف أعدائهم الـمحتلين.