ما أن تبدأ جولة حوار حتى تتعلق عيون الجميع عليه، تلتقط ما ينضح عنه من كلمات وتصريحات وإيماءات، ليتم إخضاعها للتحليل والتفسير ، ونذهب بعيداً في قراءة متأنية لما بين الكلمات بما تحتمله وما لاتحتمله من تأويلات، نسبح في فضاء نقاط التلاقي والإختلاف علها تهدينا إلى تفسير هذا العدد المتراكم من جولات الحوار، ننتظر أن يخرج علينا المتحاورون بإتفاق ينفض عن كاهل شعبنا معاناة تعددت أشكالها، عادة ما تشتد وطأتها مع إقتراب موعد اللقاء، فيخرج علينا المجتمعون بموعد لاحق لحوار آخر، نتجرع معه الحسرة والتأفف من حالنا التي أغرقتها اللقاءات وتاهت بين جولاتها ما تم الإتفاق عليه، وبعد كل جولة يخرج علينا من يعيد 'العجل لبطن أمه' فيما البعض الآخر يغرقنا بما تحقق من تقدم وما تبقى لا يعدو عن كونه كلمات ليس إلا، الحقيقة أن القيادة المصرية الحاضنة للحوار سئمت منا ومن فزلكاتنا، ومن تراجعاتنا عما تقدمنا فيه، ومن الواضح أنها لا ترغب في فرض الحلول على الأطراف المختلفة، خاصة في ظل المناكفات وألإستقطابات العربية، وفي الوقت ذاته لا تود أن تسجل فشلها في رأب الصدع الفلسطيني الداخلي، وبالتالي تقبل على مضض التأجيل تلو الآخر عل الزمن يتكفل بحلحلة المواقف وفكفكة العقد، وعلى الجانب الآخر حركة حماس التي لا تستعجل الوفاق، وتعيد ترتيب جدول الأعمال لكل جولة حوار، وتتصرف في قطاع غزة بما يخدم مصالحها التفاضية، وصرحت جهارة أم أخفت ذلك وراء التباطؤ في التوصل إلى إتفاق، فإنها تسعى لكسب الوقت الذي يفرض علينا وقتها إعادة فتح ملف الإنتخابات من جديد، ليس ما يتعلق منه بقانون الإنتخابات وتحديد النسبي منها والدائرة، بل موعد الإنتخابات ذاتها والترتيبات التي تسبقها، أما حركة فتح فما زالت تواصل حضورها لجلسات الحوار على سجيتها وتضطر للتعاطي مع ما هو مفروض عليها.
ما يجب أن يستوقفنا جميعاً عنصر الزمن الذي نسقطه من حسابتنا، فلا يعقل أن نواصل طرح فكرة لجنة الفصائل في قطاع غزة، اللجنة التي حددت صلاحياتها في إعادة الإعمار والترتيب للإنتخابات، ومع ما تحمله اللجنة من نقاط إختلاف سواء ما يتعلق منها بتركيبتها ومرجعيتها وعلاقتها مع المؤسسات والأفراد، وأن مدة صلاحيتها تنتهي يوم عقد الإنتخابات، وحيث أن عملها مرتبط بسقف زمني من المفترض أن ينتهي في يناير القادم، قمن الأجدر ألا نبعثر المزيد من الجهد والوقت فيما لا طائل منه، والأولى أن نعيد الحياة لفكرة حكومة الوحدة الوطنية، فيصبح لدينا حكومة واحدة تتحمل مسؤولياتها فيما يتعلق بتسيير مناحي الحياة وإعادة بناء الأجهزة الأمنية والتحضير للإنتخابات وتولي مسؤولية إعادة إعمار قطاع غزة، لجنة الفصائل المقترحة تبقي على التقاسم الوظيفي على حاله، وستتحول شاءت أم أبت إلى العمل الأهلي دون سواه، ولن يتعدى دورها في الصلاحيات المنوطة بها دور رجال الإصلاح في نزع فتيل الأزمات التي تنبت مع كل تصرف أوتصريح من هنا أو هناك.
من الضروري ألا ننتظر موعد الجولة القادمة من الحوار، بل بات من الضروري عقد لقاءات متواصلة في الوطن نتناول فيها كافة القضايا، وأن نعمل على ترجمة ما نتفق عليه على أرض الواقع حتى وإن كان الأمر يتعلق بالأمور الثانوية، وأول ما يتطلبه النجاح في ذلك أن تأتي الوفود بصلاحيات كاملة قادرة على إتخاذ القرار وتطبيقه، ويمكن لهذه اللقاءات أن تختصر الجهد المطلوب في جولة الحوار القادمة وأن تتجاوز بعض الكلمات التي عادة ما تسمم أجواء الحوار، ونمكن الشقيقة مصر أن تتوج مجهودها بتوقيع إتفاق ينهي حالة الإنقسام وهذا ما يصبوا إليه شعبنا، أو لا سمح الله نقول بصوت واضح بأنه لاجدوى من الحوار ولا داعي لتحديد موعد جديد لجولة جديدة، فالأمر لا يتعلق بكلمات بقدر ما يرتبط بالنوايا ، وبالطبع لا بد لنا من شكر مصر على صبرها وسعة صدرها وتحملها لما يفعله البعض منا.