شهدنا في الاسابيع الماضية ثلاثة زعماء، وثلاثة خطابات في ثلاث جامعات: الرئيس الامريكي باراك اوباما وخطابة في جامعة القاهرة، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وخطابه في جامعة 'بار إيلان'، ورئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور سلام فياض وخطابة في جامعة القدس.
القادة الثلاثة، في خطاباتهم الثلاثة، حملوا ثلاثة عناصر مشتركة:
- القادة الثلاثة متعلون تعليما رفيعا، ومواكبون لحركة العلم، ومدركون ان خلاصة منجزات العصر الحديث بنيت على العلم والتكنلوجيا، لذلك اختاروا دور العلم (الجامعات) منطلقا لخطاباتهم.
- القادة الثلاثة حملوا افكارا جديدة وثورية لمقاربة مشكلات قديمة ومستعصية: الرئيس اوباما جاء بفكرة تغيير الارث القديم الصراعي للعلاقة بين الغرب والاسلام. ونتنياهو جاء بفكرة الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح لحل الصراع التاريخي بين الشعبين. وسلام فياض جاء بفكرة بناء مؤسسات الدولة قبل الدولة.
- القادة الثلاثة بارعون في العلاقات العامة وفي التأثير على الجمهور، عبر المبادرة الى طرح افكار ومشاريع ورؤى جديدة خلاقة، واشغال واشعال التفكير السياسي، وتوجيه الراي العام في الوجهة التي يريديون. فالنجاح في تصدر وفي اشغال وسائل الاعلام والراي العام والنخب السياسية واحد من التحديات ومن معايير نجاح القادة والمؤسسات على تنوعها.
لكن تحقيق مثل هذه الافكار التي ترقى الى ان تكون مشاريع كبرى في حاجة الى الكثير من القوى والموارد والعوامل المساعدة وآليات النجاح.
فكرة الرئيس أوباما في حاجة الى مناخات جديدة تأتي عبر تغيير جوهري في مؤسسة الدبلوماسية الامريكية وسياساتها. تغيير يطال ثوابت تاريخية في سياسة هذه المؤسسة، وفي مقدمة ذلك اشارات ضغط فعلي على اسرائيل لانهاء احتلالها للاراضي العربية، على الاقل تلك التي تعتبرها الدبلوماسية الامريكية اراض محتلة.
وفكرة نتنياهو في حاجة الى تغيير في العقيدة السياسية ليس لنتنياهو نفسه ومن خلفه معسكر اليمين فحسب، وانما للمجتمع السياسي الاسرائيلي برمته، ذلك المجتمع غير المُجمع بعد على اسس الحل السياسي مع الفلسطينيين.
ربما يقال الكثير عن اهداف مخبوئة وراء فكرة نتنياهو، ليس اقلها محاولة اجهاض الضغوط الامريكية عليه، وافراغ مضمون الدولة من محتواه عبر اخراج القدس واللاجيئن من دائرة التفاوض، وهي تفسيرات صحيحة، لكن مجرد اعترافه بحق الفلسطينيين في دولة قد يُبنى عليه الكثير في هذا الاتجاه، اذا ما توفرت عناصر التغيير الاخرى، الداخلية في منطقة الاجماع القومي اليهودي، والخارجية في مناطق الدبلوماسية الامريكية.
وفكرة سلام فياض في حاجة الى فكر سياسي فلسطيني جديد. فكر ينهض من ركام تجربة الماضي التي اوصلت الفلسطينيين الى انقسام جعلهم، حتى في نظر انفسهم، غير جديرين بدولة مستقلة. انقسام جعل 'الذئب أرحم' من الاخوة... انقسام جعل لنا سلطتين تشكل انتهاكاتهما اليومية لحقوق الانسان تحديا جديدا وكبيرا امام كل يسعى الى حياة سياسية ومدنية سوية في هذه البلاد.
فكرة فياض تحمل مؤسسات السلطة، وتاليا الدولة الى البنية الفوقية للمجمتع ، الى ما فوق الفصائل المتصارعة على السلطة، وتنقلها من سلطة فئات الى سلطة خدمات ومؤسسات، ودولة للجميع. فكرة تحوّل مؤسسات السلطة الى مؤسسات دولة حديثة، وتجعل الفلسطينيين في نظر العالم، وفي نظر انفسهم، جديرين بدولة مستقلة.
العامل الدولي مهم في اقامة الوحدات السياسية الحديثة، كان مهما في اقامة اسرائيل، وفي البوسنة الهرسك، وفي كوسوفو وغيرها، وهو مهم ايضا في فلسطين، ولا احد حتى بين الفصائل المتصارعة على السلطة يتصور انه يمكن اقامة دولة فلسطين دون توفر هذه الارادة الدولية.
اهمية العامل الدولي في فلسطين انه يخلق ارادة دولية ضاغطة على اسرائيل، اولا، وثانيا يوفر الدعم المالي لبناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية.
قد يرى البعض في الدعم المالي الدولي عامل تخدير، لكن نظرة سريعة الى الازمة المالية الحالية للسلطة الناجمة عن توقف مانحين كثر عن مدها بالدعم المالي، وخاصة الدولة العربية، يظهر لنا حجم الحاجة الى هذه المساعدات. ولنتخيل توقف الحكومة عن دفع مرتبات تصل قيمها الى 240 مليون دولار شهريا... ناهيك عن المصاريف الجارية والتطويرية الاخرى...
نجاح فكرة فياض عن الدولة مرهون بآليات قادرة على تحريك الشارع في هذا الاتجاه، بعيدا عن اتجاهات كثير من الفصائل التي لا ترى في الوطن الا بمقدار ما تمنحها السلطة من مصالح وامتيازات.
فكرة فياض تشكل تحديا لوعي واحساس الفلسطيني بمصحلته الوطنية العليا، تلك المصلحة التي ترتفع عن مصالح الفصائل ورؤاها ومصالحها.
لا أحد ينسى العقبة الاسرائيلية، عقبة الاحتلال والاستيطان، لكن جدارة الفلسطينيين في انهاء الاحتلال، وفي تجنيد دعم دولي لتحقيق هذا الهدف، ستكون مرهونة بجدارتهم في توحيد انفسهم تحت عنوان وفكرة الدولة، الدولة التي تضم الجميع من رفح الى جنين ومن اعضاء حزب التحرير الساعين الى احياء الخلافة الاسلامية، الى اعضاء الجبهات اليسارية الباحثين عن يسار جديد قابل للحياة مثل يسار امريكا اللاتينية.
في عالم الاعمال يقال ان الفكرة بمليون دولار، وفي عالم السياسة فان قيمة فكرة مثل فكرة اوباما عن العالم الجديد، أو فكرة سلام فياض عن اقامة مؤسسات الدولة، وعن دولة فوق الجميع، تقاس بأشياء أخرى ذات قيمة اكبر بكثير من قيمة المال...
سلام فياض ليس من النخب الفصائلية، وقبول الشارع الفلسطيني لمشروعه يعادل قبول الشارع الامريكي لباراك اوباما القادم من خارج النخب البيضاء...