تقرير منظمة العفو الدولية، عن أهوال الحرب التي شنها المحتلون العنصريون على غزة؛ جاء قاصراً وسخيفاً، ربما لأن ما جرى في غزة، يفوق قدرة امينستي على النهوض بمهام التحقيق في فظائع الحرب. فلم يكن منطقياً، أن يُدان جيش الاحتلال، لأنه لم 'يُفرق بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية' ذلك لأن غزة لم يكن فيها أية أهداف عسكرية، وان كان بها مسلحون ومطلقو حشوات بدائية من صنع يدوي. فهؤلاء ليست لهم مراكز عسكرية، وبالتالي فان الحرب عليهم لا تكون بآلة الحرب الحديثة التي تتعامل مع مواطىء أقدام المسلحين، باعتبارها مواقع عسكرية!
كذلك لم يكن منطقياً، أن توصي منظمة العفو الدولية، بعدم استخدام المدفعية وقنابل الفسفور الأبيض، لأن مثل هذا الاستثناء من شأنه ايقاع التقرير في خطيئة التقبل الضمني لقتل الأبرياء بغير هذه الوسائل، وهذا ما لا نعتقد أن امينستي تقصده. نحن نثق أن امينستي انزلقت الى هذه التعبيرات، لعجزها عن انتاج نص يلائم الجرائم التي اقترفها المحتلون، وهي جرائم فوق اختصاص منظمة نشأت في العام 1961 كرد فعل على مقال نشره محام بريطاني، يبث لواعج قلبه، بسبب اعتقال طالبين من البرتغال، رفعا كأسيهما تحية للحرية. وشعار امينستي، على الرغم من دلالته البليغة؛ يعكس حقيقة عدم اختصاص هذه المنظمة في اجراء تحقيق يتعلق بفظائع، كالتي وقعت لأهلنا في غزة. فالجماعة يعتمدون لوغو الشمعة المضيئة وسط الليل البهيم، ملفوفة بسلك شائك يرمز للحصار أو للسجن، وهذا عندهم هو الذي يمثل الدرجة القصوى للظلم والبؤس والتهميش، وربما كان يلزم العفو الدولية، منظمة فرعية ذات لوغو آخر، قوامه رأس طفل مغروس كرأس الفجل الأحمر، على سطح تراب مشتعل، وهذه واحدة من اللقطات الحقيقية التي نقلتها آلات التصوير ونشرتها وسائل الاعلام!
فالأسلاك الشائكة، التي ترمز الى الحصار، باتت من الأيام الطبيعية الجميلة التي يترحم عليها الغزيون، وبالتالي فان شمعة امينستي تقادمت وتأخرت كثيراً عن متابعة الجريمة الى المدى الذي وصلت اليه. ولماذا نبتعد، فالقائمون على امينستي، بدأوا على الخفيف، وظلوا على الخفيف، وهم بارعون حين يتعلق الأمر بالهراوة التي تنزل على رأس 'ناشط سلام' أو عندما يقتضي الأمر تدبيج تقرير عن جندي احتلالي يشد فتاة من شعرها. ولم يتدخلوا في انتهاكات حقوق الانسان الفلسطيني في السجون. أما عندما يتعلق الأمر بحرب حاقدة يشنها عدو عنصري يتمنى الموت لجميع الفلسطينيين، ويقذف حمماً هائلة من النيران والسموم كلما شن الحرب، فان الأمر يتجاوز قدرة امينستي على الاستيعاب!
* * *
فلم تستوعب امينستي حقيقة أن مليون قذيفة حمساوية لا تبرر قنبلة صهيونية واحدة. فالحمساويون أنفسهم يعتمدون لغة كاريكاتورية في التعاطي مع التحقيقات ومع التقارير ومع الرأي العام الدولي بخصوص الحرب. يقولون ما يتوجب أن نقوله جميعاً، وهو أن العدو كان يُضمر العدوان والاستمرار في ذبح الشعب الفلسطيني، ولكن عندما يُقال لهم بأنكم أطلقتم الصواريخ ينزعجون ويتهمون القائل بتبرير العدوان، وان قيل لهم انكم لم تطلقوا ولم تفعلوا شيئاً، ينزعجون ويقولون انكم تنكرون أفاعيل الجهاد وتقللون من شأنها ولا ترون كيف يئن الاحتلال تحت ضربات المقاومة. وعندما كتبنا عن الأنين والطنين، وانتقدنا استخدام لفظ الأنين الذي لا ينطبق الا على الموجعين الذين يستحقون الرحمة؛ غضب الحمساويون. وان قيل لهم انكم بدأتم دون أن تحسبوا، يقولون انه اتهام لتبرئة اسرائيل، وان قيل انكم لم تبدأوا وأحجمتم يقولون انه الانكار الآثم لبرنامج المقاومة. واسماعيل هنية أمس، يعترض على تقرير امينستي ويقول ان الحرب كانت من طرف واحد وأن التقرير ظالم وهو يساوي بين الجلاد والضحية. لو قلنا نحن ذلك، لانطلق غُلمان الانترنت الحمساوي يتهموننا بانكار الطرف الفلسطيني المنتصر، صاحب الفرقان، في تلك الحرب، وأننا نتحدث عنه كمجرد ضحية، وأنه ليس طرفا ذا صلة.. انها لغة غبية وعرجاء ولا تعرف ماذا تريد. فعندما نصحنا في كانون الأول 2008 بعدم فتح النار حتى مع عدم تجديد التهدئة مجاناً؛ هاجمونا، وهم اليوم يريدون من امينستي أن تكون منصفة، ويريدون من الفصائل أن تكف عن المقاومة، تحت طائلة البطش بها، بينما التهدئة تكرست والمعابر ظلت مغلقة والأفق ما زال مسدوداً!
نحن معنيون بانتقاد تقرير امينستي، ومعنيون بالتنبيه الى نواقصه الفاضحة، وما على حماس الا أن تعود لكي ترتب لغتها وتهتدي الى ألفاظها وتعرف ماذا تريد. ولو كان تقرير امينستي دقيقاً وأراد أن يذم حماس في شيء، لكان تعمد ذمها، بسبب ابقاء مواطنين فلسطينيين في السجون تحت القصف، أهدرت دمهم بوصفهم خونة لكي تبرر فعلتها، وبسبب أنها مارست تصفيات جسدية، وبسبب اطلاق النار على الأقدام والتسبب في عاهات دائمة لبعض الفلسطينيين، وهذا ما سوف تحقق فيه لاحقاً، بشفافية وصراحة، لجان حقوق انسان عربية وفلسطينية. لكن امينستي لم تكن معنية بشيء سوى أن تغطي بعض العبارات التي تدين الجرائم الاسرائيلية، ببعض عبارات لادانة حماس كطرف انتهك حقوق انسان اسرائيلي، وهذا ما نرفضه وترفضه حماس كذلك!