في كثير من الصحف، ومنها صحيفة "الأيام" في رام الله، يبرز عمود على مواقعها الالكترونية، يشير إلى المواضيع الأكثر قراءة فيها.
وقد لفت انتباهي أن موضوع الإصابات المتزايدة والمتفاقمة بإنفلونرا الخنازير في الضفة الغربية هو الطاغي يوما إثر يوم، على سواه من المواضيع، في هذه المواقع، أو في موقع "الأيام" على وجه التحديد.
ففي العدد الصادر من هذه الصحيفة، في 29/6/2009، على سبيل المثال، حيث كانت الجولة السادسة من الحوار بين وفدي فتح وحماس على أشدها في القاهرة، ما كان يُفترض بالموقع الالكتروني لهذا العدد، وفق رؤيتنا السياسية الرائجة على الأقل، أن يدفع بهذه الجولة التي قيل إنها الحاسمة، أو إنها جولة الفرصة الأخيرة، إلى رأس سلـّم القراءة، نجد أن العكس تماما، هو "المدفوع" أمامنا، بإرادة القراء ورغبتهم وفهمهم لأولوياتهم. فالجولة المعنية هابطة إلى الدرجة السفلى والأخيرة من السلـّم المكوّن من خمس درجات، في حين تتربع إنفلونزا الخنازير على صدر الدرجة الأولى.
من الواضح أن القراء الفلسطينيين، ناهيك عن القراء العرب بشكل عام، في هذه الحال، قد أسقطوا من حسابهم هذا الحوار المضجر على امتداد جولاته العقيمة، أو أنهم على الأقل، قد دحروه إلى الداخل المعتم من همومهم المزمنة، فلا يلتفتون إليه، ولا يكترثون به، إلا في سياق الحك القسري المؤلم على الجراح المتقيحة.
ولكن هذه القراءة المفجعة لا تلعب، أو لا تكابد على الأصح، في قسوتها المفرطة، خارج الوباء الأساس، وباء الاحتلال الإسرائيلي، تحت ضغط وباء إنفلونزا الخنازير الطارئ.
أي أن انزياحها عن حوار القاهرة، لا يشكل أدنى انزياح لها عن قضيتها المركزية في مواجهة الاحتلال ومقاومته، وفي السعي المتواصل نحو حقوقها الوطنية الثابتة.
ولعل الصحيح أن ما يشبه "المعاقبة" من قبلها، لذاك الحوار وأهله، بالانزياح عنه، يعني في محصلته، مقاربة أعمق بالنسبة لها، للهم السياسي المتمثل بمسائل الاحتلال اليومية. كما يعني ضغطا على المتحاورين أنفسهم، كي يخرجوا من دق الماء (الذي هو الدم في الواقع)، إلى التوافق الوطني على إنهاء الانقسام. وليس بالصدفة إلى ذلك، في إطار هذه القراءة التي اعتمدنا عليها في هذا التحليل، أن جميع المواضيع الأخرى، على بقية درجات السلـّم، الثانية والثالثة والرابعة، هي مواضيع سياسية، تصبّ بهذه الصورة أو تلك، في معاني هذا التوافق.
وإذا جعلنا من دليل هذه القراءة ذاتها ولو لصحيفة واحدة، دليلا أوسع وأشمل لحركة الرأي العام الفلسطيني، ضمن استشراف نظري معقول، طالما أننا لا نجد في الغالب، من يرصد لنا هذه الحركة، بالاستطلاعات الدائمة والمستمرة لها، فإننا نكون قادرين على القول إن الرأي العام الفلسطيني أمسى على حافة الهجر فعلا، لهذا الحوار المترنح على حافة التأجيل الدائم بكل مسمياته وحالاته، وبكل المشاركين فيه والقائمين عليه، على حد سواء.
كيف يمكن للناس أن يفهموا أن حوارا ما يكاد يبدأ جولة جديدة له، بعد غياب لأسابيع أو أشهر، حتى يعود إلى ما كان عليه في الجولة السابقة، كأن شيئا لم يكن في السابق، وشيئا لن يكون في اللاحق؟. وهكذا دواليك، من جولة إلى أخرى، والنقاط باقية على حالها، دون فكفكة لعقدة، أو تقارب على مفصل؟ والأنكى، أن ثمة من أخبرنا أخيرا، بعد جلسة عاصفة من جلسات الجولة السادسة، أن الاختلاف لا يزال فيها على جدول أعمالها! وماذا سيكون حال الخلاف بالتالي، بعد إقرار الجدول؟ ثم جاء من قال في اليوم نفسه، إن الفكفكة قد تمت، لا لعقدة واحدة، وإنما للعقد الأساسية الثلاث: الانتخابات والأجهزة الأمنية واللجنة الفصائلية! والمذهل أن ناطقا رابعا أو خامسا طلع علينا بالقول في اليوم نفسه أيضا وأيضا، إن شيئا من هذا التفكيك لم يحصل، وإن جولة سابعة سوف تتم في الخامس والعشرين من هذا الشهر!
من الأفضل للناس وهم يحكون جراحهم المتقيحة، بألم شديد، وغضب أشد، أن يضعوا كل هذه الأخبار والأقوال، على الرف، وأن يتابعوا إنفلونزا الخنازير، دون أن يفقدوا مع ذلك، غريزة الأمل الكامنة في الجراح ذاتها. لعل وعسى، ولو في أسفل السلـّم!