أتابع كغيري ما يجري في ايران بشكل عام، وما جرى وما زال بعد الانتخابات الرئاسية على وجه الخصوص، بدقة وشمول تفرضه ارتباطات الوضع الايراني بالمسألة الفلسطينية، وانعكاساتها المباشرة على الحوار الوطني الداخلي، هذه المتابعة اليومية والمتواصلة فرضت الكثير من الملاحظات، ولعل اهمها ان في ايران تحديداً، يتوجب قراءة ما يجري فيها بعيداً عن الانطباعات المسبقة، ولي شخصياً تجربة محدودة بهذا الصدد.
فقد شاركت في احد المؤتمرات الاعلامية الخاصة "بالمؤتمر الاسلامي" في طهران منذ بضع سنوات، كانت لدي انطباعات وافكار خاصة بي حول ايران، لكني عدت بافكار ورؤى مغايرة بعد مغادرتي لها، وربما وصولي الى طهران من غزة وعودتي منها الى غزة ايضاً، أثرت تأثيراً مباشراً في تعديل او تغيير انطباعاتي عن ايران، فقد فوجئت ان معظم الصحافيين والاعلاميين الذين غطوا المؤتمر، وهم بالمئات، معظمهم من النساء، وفوجئت انهن اكثر انفتاحاً واختلاطاً، ربما اكثر من اي مجتمع مجاور لايران، لا يخجلون من جمالهن واناقتهن رغم ما يغطي الرأس من وشاح على الموضة بالكاد يخفي مؤخرة الرأس، مع قليل من "الميك أب" وجرأة في التعامل بلا تردد، واحاديث تتناول كل شيء دون خجل من تعارف سريع وباستقلالية عالية.. فوجئت بهذه الصورة لكني بررتها بان هذا هو مجتمع الصحافيين والصحافيات فحسب.
وبعد أيام، خرجنا للتسوق برفقة صديق ايراني من عربستان، حدثنا عن مدى الضغط والقمع الذي تمارسه القيادة والمؤسسات الأمنية على الاقليات العرقية وفي طليعتها المواطنون الايرانيون العرب، لكن ليس هذا ما اريد ان اشير اليه، ذلك انني لاحظت ان هناك آنسات ونساء بائعات او صاحبات محلات لبيع الاقمشة والملابس الرجالية والنسائية، وانتقلنا من محل الى آخر، لنكتشف ان الامر يشكل ظاهرة في بعض الاسواق، ويتبادلن الاحاديث التجارية مع المتسوقين دون اي حاجز مفتعل، وفي الغالب كن جميلات وانيقات بشكل لافت.. اذاً الامر ليس مقصوراً على الصحافيات!!
اقول ذلك، لاني لم افاجأ بالدور الذي لعبته المرأة الايرانية في اعمال الاحتجاج اثر الانتخابات الرئاسية، ولو لم أكن قد زرت ايران، لفوجئت مع الآخرين الذين كونوا انطباعاتهم من خلال وسائل الاعلام او بالمقارنة مع تأثيرات التيادات السلفية المنتشرة في معظم دولنا العربية.
وفي ذات السياق، فان قراءة المشهد الايراني قراءة صحيحة، تفرض عدم استنساخ الانطباعات المسبقة واسقاطها على القراءة والتحليل، وقد كنت متحمساً لكي يفوز موسوي بالرئاسة، ومع الوقت ادركت ان استمرار احمدي نجاد هو الافضل، وشاركت رئيس الحكومة الاسرائيلية هذه الرغبة مع اختلاف الاسباب والمبررات بطبيعة الحال!!
فلو اعلن عن فوز موسوي، وتم انتقال السلطة بشكل سلس، فان ذلك سيوفر عناصر استقرار لنظام سياسي غير مقبول من الزاوية الديمقراطية وتطلعاته الاقليمية، التغيير المحتمل سيرتكز على عناصر داخلية واجتماعية، تحسن من صورة النظام الذي يمكن له ان يكرر ذات الشعارات بصياغات جديدة اقل حدة مع بقاء مضامينها، ويتكرر بشكل معكوس انتقال السلطة التنفيذية الاجرائية من خاتمي الى نجاد، الاول هو الذي أسس لصناعات عسكرية متقدمة، وفي عهده شقت ايران طريقها نحو برنامج نووي، وفي نفس الوقت، فان عهد خاتمي هو الذي شهد التواطؤ مع الغرب للقضاء على نظام صدام حسين في العراق، بعد انتقال السلطة الاجرائية الى نجاد، لم يتخل عن هذه البرامج والمواقف، بل تمسك بها مع ضوضاء وصخب وحدة مترافقة مع تصريحات متشنجة وعصبية، دون ان يتغير الموقف الجوهري من كافة القضايا، كان عهد خاتمي اكثر قبولاً، ليس لانه اقل فارسية، بل لانه اكثر ذكاء في خدمة اهدافه وتطلعاته، واذا ما اختلفت البرامج، فهي فقط في ميدان محدود في اطار الانفتاح الداخلي.
في عهد خاتمي كان هناك انفتاح داخلي اجتماعي، حاصر واحتوى اي تحرك جدي ضد النظام، في عهد نجاد، زادت التحركات الشعبية والاجتماعية، رغم استخدام كل اشكال القمع، واضافة الى التحركات الطلابية، انتشرت الاضرابات والاحتجاجات العمالية، لدى عمال مصانع السيارات، واطارات الناقلات، ومصانع قصب السكر، على سبيل المثال، العمل النقابي العمالي ممنوع في ايران، خشية سيطرة قوى اليسار وقوى مناوئة للنظام عليها، من هنا، تم استبدال نقابات العمال في النظام الايراني بما يسمى بـ "بيت العمال" وهو اطار نقابي يكفل نظامه استمرار سيطرة النظام عليه، بيت العمال هذا، ساهم من خلال مئات آلاف العمال في التحركات الاخيرة لصالح الاصلاحيين اثر موجة الاحتجاجات على النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية، رغم ان رئيس بيت العمال، معتقل لدى السلطات منذ العام 7002، التحرك العمالي تماهى مع تحركات شعبية وطلابية.. فلو اعلن عن فوز موسوى، لما حدث هذا التحرك الذي لم تعد هناك امكانية للسيطرة على تداعياته مستقبلاً، خاصة وان امكانية تأثير قوى وطنية لا تعترف بمرجعية النظام الحالي ولا دستوره، على مجمل التحرك الشعبي.
فوز موسوي، اكثر ضرراً لاسرائيل، لانه سيكون اكثر ذكاء ومراوغة في التعامل مع الدولة العبرية وفي عموم سياسته الخارجية، لعل نجاد افاد السياسة الاسرائيلية اكثر مما افادها الشاه في بعض الجوانب، شعارات نجاد الصاخبة ضد اسرائىل زادت من تعاطف الرأي العام العالمي معها، اي خطوة تتخذها اسرائيل ستكون مبررة نتيجة لهذه الشعارات التي لم يترجم اي منها عندما قامت اسرائىل بحربها الوحشية على قطاع غزة، الشعارات المتشددة هي التي تدفع بموازنات اضافية لصالح وزارة الحرب الاسرائيلية، واسرائىل معنية بالابقاء على هذا المشهد الذي لا يؤثر في الواقع العملي، لكنه يمنحها فرصة اكبر للتكشير عن انيابها.
ظهر خامنئي بمظهر قوي وقادر ومرجع يمكن له ان يحاصر اية معارضة حقيقية، غير اني اعتقد هذا مظهر مخادع، وان لا اراهن على الاصلاحيين في التغيير، فهم جزء من النظام، بل المراهنة على قوى ظلت على الهامش، وجاءت فرصتها في التأثير مع "ازاحة" موسوي عن منصبه، استثمار محتمل بدأ يشق الطريق امام تغيير جوهري ربما لا بد منه، رغم اننا لا نراهن على تعامل هادئ من قبل اجهزة النظام، لدفن مثل هذا التحرك بكل قوة وحزم!!.