مجددا فشلت الجولة السادسة من الحوار الوطني، ولم يتمكن الوسيط المصري من تحقيق المصالحة الفلسطينية، رغم التأكيد من قبل الجهات المسؤولة والمشرفة على الحوار، ان موعد 7/7، هو موعد توقيع اتفاق المصالحة بين الاطراف الفلسطينية المختلفة. غير ان واقع الحال وتشبث حركة حماس باجندة تفشيل الحوار، واستمراءها لخيار الانقلاب والتمسك بالامارة، وعدم وجود ضغط مؤثر وفاعل عليها من الوسيط المصري والاطراف العربية، ادى الى الفشل. واضطر الوسيط المصري الى تحديد موعد جديد لجولة سابعة من الحوار، مصرا ان يكون الموعد النهائي لجولات الحوار المكوكية.
وانصافا للحقيقة فان القيادة المصرية وفريقها المشرف على الوساطة بقيادة الوزير عمر سليمان، لم تبخل ولم تقصر في بذل الجهود المطلوبة منها، وفي تدوير الزوايا بين فرقاء الحوار الفلسطيني، انطلاقا من الرغبة في اقناع الجميع بان مصر وسيطا نزيها، ولا تريد ان تملي على اي من الاطراف وجهة نظرها وقرارها، لقناعة مصرية ان المهم في المصالحة وصول الاطراف المختلفة الى قناعة ذاتية باهمية الوحدة الوطنية والعودة عن خيار الانقلاب والانقسام، وبالتالي حماية القضية والاهداف الوطنية الفلسطينية. ومع ذلك فان الجهد المصري على اهميته وما لديه من اوراق القوة والثقل لم يحصد النتائج المرادة حتى الان، لماذا ؟
الاسباب وراء ذلك الفشل تعود الى الآتي:
اولا: عدم استعداد حماس وقيادة الانقلاب المتنفذة لانجاح الحوار الوطني، لانه لا يتوافق مع مصالحها الفئوية واجنداتها الاقليمية، كما انها تعتقد انها لم تحصل حتى الان على الثمن الذي تريده مقابل عودتها عن خيارها الانقلابي، وخشية القتلة من قادة الانقلاب من دفع رقابهم ثمنا للمصالحة، وتكون على حسابهم.
ثانيا: عدم رغبة بعض الاطراف العربية بتقدم عربة المصالحة الفلسطينية لاعتبارات خاصة بها وبحساباتها الفئوية. لهذا لم تمارس اي مستوى من الضغط على حركة حماس، بل العكس صحيح، فرسائلها لقيادة حماس " التروي وعدم استعجال المصالحة.." رغبة منها في تأجيل المصالحة حتى تستشرف آفاق التحولات السياسية في المنطقة وما يمكن ان تتمخض عنه عجلة السياسة الاميركية، التي ارسلت اشارات مهمة للعديد من دول المنطقة العربية والاقليمية، لا بل اتخذت خطوات عملية اتجاه بعضها، مما جعل الدول ذات الصلة تستشعر باقتراب اغتنامها فرصة لعب دور البديل للوسيط المصري وليس الشريك او الداعم.
ثالثا: وهذا العامل مرتبط بما سبقه، واعلنه خالد مشعل في اكثر من تصريح مؤخرا، ان المصالحة العربية مازالت دون احداث حراك جدي على مسار المصالحة الوطنية. وبالتالي فان حركة حماس تربط تقدمها وتأخرها بمواقف حلفائها من العرب ودول الاقليم، لضرب اكثر من عصفور بحجر المصالحة.
رابعا: عدم استخدام جمهورية مصر كل ثقلها السياسي والامني على حركة حماس خشية من اتهامها بالانحياز، وحرصا على عدم حدوث تداعيات في الداخل المصري من القوى المتواطئة مع قيادة الانقلاب، ورغبة من القيادة المصرية في فكفكة اللوغارتمات الحمساوية المختلفة بهدوء.
خامساً: حصر الحوار بين حركتي فتح وحماس لا يساعد على البلوغ الى ما تريد القيادة المصرية. كما ان دعوة القاصي والداني في الساحة الفلسطينية، من لبسة الجلابيب ومربي الدقون، اولئك الذين لا تاريخ لهم، والذين صنعتهم حركة حماس اساء للحوار، وابقاه في دائرة المراوحة، الامر الذي يفرض على القيادة المصرية اعادة نظر جدية في آليات الحوار القائمة، لان فصائل المنظمة بالاضافة الى الجهاد الاسلامي ليست شاهدة زور او مجرد باصم على ما يتفق عليه الفصيلان الكبيران، بل هم شركاء في الحوار والنتائج. رغم ان بعض هذه الفصائل، هي، ذاتها التي دفعت الامور الى هذا المنحى، وخاصة الجبهة الشعبية ومعها حزب الشعب الذين رفضوا المشاركة في اللجنة التي اقترحها الرئيس محمود عباس للاشراف على الحوار بين الكل الوطني وبين قيادة الانقلاب، لان هذه القوى مازالت تعمل وفق قناعة خاطئة عنوانها، ان الخلاف يقتصر على الفصيلين الكبيرين، وان الاساس في ذلك نابع عن سياسة " المحاصصة ". ومع ذلك على القيادة المصرية اشراك القوى الفلسطينية المشار لها آنفا.
سادساً: كما ان هناك خطأ في زج السلطة الوطنية في المسألة والربط الميكانيكي بينها وبين حركة فتح، ومطالبتها بالافراج عن المعتقلين الحمساويين الذين اعتقلوا على خلفية امنية لا علاقة لها بالقيادة السياسية في حماس. والسلطة معنية اسوة بجمهورية مصر العربية واية دولة اخرى او سلطة لحماية ذاتها ومكانتها ونظامها السياسي. الامر الذي يفرض على المعنيين اعادة نظر في هذا التوجه. مع ان الرئيس محمود عباس اعلن واصدر تعليمات واضحة للتجاوب مع المسعى المصري لتسهيل مهمته وفتح الافق امام المصالحة، الا ان كل ذلك اصطدم بجدار حماس الاسمنتي الانقسامي.
ما تقدم يشير الى ان حماس تعمل وفق النظرية الاسرائيلية: كلما انتزعت انجازا من العرب تتقدم بطلب جديد اضافي.. وهكذا هي حماس كلما شعرت ان الوسيط المصري استجاب لمطلب من مطالبها، كلما رفعت سقف مطالبها، وهذا يحتاج من القيادة المصرية لقراءة مدققة لتجربة الجولات الست السابقة وتحاول ان تستخلص الدروس والعبر منها حتى تستعد للجولة المقبلة بشكل جيد، وتسقط من قيادة الانقلاب وشركائهم العرب والاقليميين حساباتهم واهدافهم الصغيرة والضيقة. فهل تحاول استدراك ما فاتها من التجربة السابقة ؟