الانقسام يفعل بنا ما يشاء، انه ينتج نفسه كل يوم بأشكال جديدة، ويشبه الى حد كبير مرض السرطان الذي يقفز في جسم المريض بطريقة عجيبة، من الرئتين الى الكبد، ومن الساق الى الحلق وهكذا.
وهذا الانقسام أنتج نفسه في حياتنا بأشكال باهظة التكلفة، وفادحة الخسارة، فقد خلق طبقة جديدة اسمها طبقة الشتامين، البارعين في الشتائم، والذين لا يتورعون عن استخدام الدين نفسه في شتائمهم ضد الآخر! وأفضليتهم على الآخر، وأحقيتهم في كل شيء، حتى في الخيانة الوطنية نفسها!
ورأينا في مرحلة معينة احدى الفتاوى الدينية لطبقة الشتامين وصلت الى إباحة القتل، بل والتحريض عليه، بدعوى أن الآخر، الفلسطيني الآخر، هو الكافر الذي يحل قتله، ويحل سفك دمه! وكل ذلك من اجل أن يرتفع هؤلاء الشتامون درجة، حيث لا يهمهم سوى الصعود ولو الى الجحيم نفسه.
آخر فتاوى الشتامين، هي تلك التي تقول بجواز التفاوض مع العدو، مع الاحتلال الصهيوني، لماذا، ليس لان التفاوض مصلحة!ولا لان التفاوض احد مقتضيات السياسة، والسياسة هي فن الممكن، وليس فن المستحيل! بل لان هؤلاء الشتامين يرون المسلم هو الأجدر بالتفاوض مع العدو المحتل!عجب ما بعده عجب، وغرابة ما بعدها غرابة، فقد رأينا في السجال الاعلامي، أن الأقل كفاءة، من الاعلاميين والصحفيين الرديئين جدا هم الذين تقدموا الصفوف، وصعدوا الى السطح، لان بضاعتهم أصبحت مطلوبة.
واليوم نرى، أن الذين هم اقل معرفة بالفقه الاسلامي، والأقل كفاءة في الفتوى، هم الذين يصعدون فوق الجدار، وهم الذين يفتون ليل نهار، وهم الذين يمارسون الفقه الاسلامي على طريق ذوي الضمائر الميتة من التجار! فيحللون ويحرمون على هواهم دون أن يأخذوا مصالح شعبنا والأمة في الاعتبار. وهؤلاء بطبيعة الحال، يرد عليهم من هم مثلهم في الفريق الآخر، وهكذا، نضيع نحن بين الدجالين، ويلتبس الأمر بين فتاوى المتاجرين المتناقضين، فننتقل من خسارة الدنيا الى خسارة الآخرة!ومن الكذب على بعضنا الى الكذب على الله سبحانه وتعالى عما يأفكون!.
واذا ظل الانقسام على حاله، مستمرا بلا نهاية، يتغذى على دمنا وبؤسنا وضياع قضيتنا، فقد يتدهور الوضع أكثر فأكثر، ونرى محترفي الانقسام، يبيعون بضاعتهم الفاسدة علنا على قارعة الطريق!فبالله عليكم ماذا يريد الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني أكثر من ذلك؟
كنا فيما مضى نختلف في قتالنا مع العدو على قاعدة فقه الجهاد والقتال! واليوم نتراشق مع بعضنا على قاعدة فقه الاستسلام، حيث كل طرف يقول انه الأجدر والأكفأ والأولى بالمفاوضات مع الاحتلال الذي يغذينا لكي نشتبك وننقسم ونتباهى، بينما هو يهوّد القدس، ويسرق الأرض بالجملة، ويقوض فكرة الدولة، ولا يبقى سوى فتات الفتاوى، وضجيج الكلام الفارغ.